أبي منصور الماتريدي

94

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ . قوله : وَكَذلِكَ لا يتكلم إلا على أمر سبق ، فهو - والله أعلم - يحتمل أن يقول لما قالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء الأعبد من قومك ، أفنحن نكون تبعا لهؤلاء ، ونحن سادة القوم وأشرافهم ؟ ! فقال عند ذلك : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي : كما فضلتكم على هؤلاء في أمر الدنيا فكذلك « 1 » فضلتهم عليكم في أمر الدين ، ويكونون « 2 » هم المقربين إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم والمدنين مجلسهم إليه ، وأنتم أتباعهم في أمر الدين ، وإن كانوا هم أتباعكم في أمر الدنيا ؛ فكذلك امتحان بعضهم ببعض . ويحتمل وجها آخر : وهو أن يقال : كما كان له امتحان كل في نفسه ابتداء محنة ؛ كقوله : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] . وكقوله : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ [ الأعراف : 168 ] . وقوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ . . . الآية [ البقرة : 155 ] . فعلى ذلك له أن يمتحن بعضكم ببعض . وأشد المحن أن يؤمر المتبوع ومن يرى لنفسه فضلا بالخضوع للتابع ومن هو دونه عنده ، يشتد ذلك عليه ويتعذر ؛ لما كانوا يرون هم لأنفسهم الفضل والمنزلة في أمر الدنيا ، فظنوا أنهم كذلك يكونون في أمر الدين ؛ وعلى ذلك يخرج امتحانه « 3 » إبليس بالسجود لآدم لما رأى لنفسه فضلا عليه فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [ الأعراف : 12 ] ولم ير الخضوع لمن دونه عدلا وحكمة ، فصار ما صار ؛ فعلى ذلك هؤلاء لم يروا أولئك الضعفة أن يكونوا متبوعين عدلا وحكمة ، وظنوا أنهم لما كانوا مفضلين في أمر الدنيا ، وكان لهؤلاء إليهم حاجة - يكونون في أمر الدين كذلك ، ويقولون : لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [ الأحقاف : 11 ] ونحوه من الكلام . وقوله - عزّ وجل - : لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا . قال بعضهم : هو موصول بالأول بقوله : فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا يقول الكافر قول الكفر والمؤمن قول الإيمان . ثم ابتدأ فقال : أَ هؤُلاءِ أي : يقول الكفرة أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا ليس بمفصول من قوله لِيَقُولُوا ولكن موصول به لِيَقُولُوا يعني الكفرة أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا .

--> ( 1 ) في ب : فلذلك . ( 2 ) في أ : ويكون . ( 3 ) في ب : امتحن .